فصل: (فرع: الإجارة المطلقة بأجرة معينة)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[فرع: استأجر أرضًا مغمورة بالماء]

وإن استأجر أرضًا وفيها ماء، فإن كان الماء كدرًا لا ترى معه الأرض، ولم يكن رأى الأرض قبل ذلك.. لم يصح، على الصحيح من القولين؛ لأنه لا يجوز عقد الكراء على عين لم يشاهدها، وإن كان قد رأى الأرض قبل ذلك، أو كان الماء صافيًا ورأى الأرض وفيها الماء.. نظرت:
فإن استأجرها لزرع يصلح مع قيام الماء فيها، كالأرز، وما أشبهه.. صحت الإجارة؛ لأنه يمكنه الانتفاع بها عقيب العقد.
وإن استأجرها لزرع لا يصلح مع قيام الماء فيه، كالحنطة، والشعير، والذرة، فإن كان فيها موضع يمكن فتحه وخروج الماء منها، وتزرع بعد ذلك.. صحت إجارتها؛ لأنه يمكن زراعتها. وإن لم يكن فيها موضع يمكن فتحه وخروج الماء، ويعلم أن الماء لا ينحسر عنها بالشمس والريح.. لم تصح إجارتها للزرع؛ لأنه لا يتمكن من زراعتها.
وإن كان يعلم في العادة أن الماء ينحسر عنها بطلوع الشمس وهبوب الريح.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها في الحال.
والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ غيره -: أنه يصح، وهو الصحيح؛ لأنه يعلم بحكم العادة إمكان زراعتها، وكون الماء فيها هو من عمارتها، فلا يمنع زراعتها وقت الزراعة.
وليس من شرط الإجارة حصول الانتفاع بها في جميع مدتها، ألا ترى أنه يجوز أن يستأجر الأرض للزراعة سنتين، والزراعة لا تكون إلا في بعضهما.

.[فرع: خوف غرق الأرض لا يمنع الإجارة]

قال في "الأم" [3/247] إذا كانت الأرض على صفة يمكن زرعها، إلا أنه يخاف عليها الغرق، وقد تغرق، وقد لا تغرق.. جازت إجارتها؛ لأن الظاهر عدم الغرق، والأصل السلامة.

.[فرع: الاستئجار لتعليم سورة كريمة]

وإن استأجر رجلًا على تحصيل تعليم سورة من القرآن، والأجير لا يحفظها.. صحت الإجارة؛ لأنه يمكنه تحصيل تعليمه، بأن يستأجر من يحفظها ليعلمه.
وإن استأجره ليعلمه سورة، والأجير لا يحفظها.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا تصح؛ لأنه عقد على منفعة معينة لا يقدر عليها، فهو كما لو أجر عبد غيره.
والثاني: تصح؛ لأنه يمكنه أن يتعلم من غيره ويعلمه.

.[مسألة: الاستئجار على منفعة معلومة]

ولا تصح الإجارة إلا على منفعة معلومة القدر؛ لأن المنافع كالأعيان، فلما لم يجز العقد على الأعيان مع الجهل بها.. فكذلك العقد على المنافع.
إذا ثبت هذا: فإن المنافع تنقسم ثلاثة أقسام:
الأول منها: ما لا يتقدر إلا بالمدة.
والثاني منها: ما لا يتقدر إلا بالعمل.
والثالث منها: ما يتقدر بالمدة أو بالعمل.
فأما ما لا يتقدر إلا بالمدة: فإجارة العقار كله، كالأرض، والدور، والحوانيت؛ لأنه ليس للعقار عمل معلوم، فلم يتقدر العقد على منفعته إلا بالمدة، وكذلك: الاستئجار لتطيين السطوح والحيطان وتجصيصها لا تتقدر معرفته إلا بالزمان، فيقول: استأجرتك لتطين لي شهرًا، أو تجصص لي شهرًا؛ لأنه لا يمكن تقدير العمل فيه؛ لأن بعضه يكون رقيقًا، وبعضه يكون ثخينًا؛ لاختلاف أرض السطح والحائط، وكذلك: الإجارة على الرضاع لا تقدر المنفعة فيها إلا بالزمان؛ لأنه لا يمكن تقدير اللبن الذي يشبع به الصبي.
وأما ما لا تتقدر المنفعة فيه إلا بالعمل: فمثل أن يقول: استأجرتك لتبيع لي هذا الثوب أو لتخيطه، أو استأجرتك لتحج عني، أو عن فلان، أو لتقبض لي من فلان شيئًا، وما أشبه ذلك؛ لأنه لا يمكن تقدير المنفعة فيها بالمدة.
وأما ما تتقدر المنفعة فيه بالعمل أو بالمدة: قال الشيخ أبو حامد: فمثل أن يقول: أجرني دابتك هذه لأركبها إلى موضع كذا، أو أجرني عبدك هذا ليخيط لي هذا الثوب، أو أجرني عبدك هذا ليخدمني شهرًا، أو ليخيط لي شهرًا، أو ليبني لي شهرًا، أو أجرني هذا الجمل لأركبه شهرًا أو سنة.. فيصح ذلك؛ لأن المنفعة معلومة لكل واحدٍ منهما.

.[فرع: استأجره ليخيط ثوبًا في يوم]:

وإن قال: أجرني عبدك ليخيط لي هذا الثوب يومًا.. لم يصح، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف، ومحمد: يصح.
دليلنا: أن تصحيحها يؤدي إلى التناقض؛ لأنه قد يفرغ من الخياطة في بعض اليوم، فإن طولب بالعمل في بقية اليوم.. أخل بشرط العمل، وإن لم يطالب بالعمل.. أخل بشرط المدة، وإن قال: استأجرتك لتحصل لي خياطة خمسة أيام.. قال القاضي أبو الطيب: لم يصح؛ لأن المنفعة مجهولة؛ لأن الخياطين تختلف أعمالهم، وإنما تصح الإجارة، بأن يقول: استأجرتك لتخيط لي خمسة أيام، أو لتخيط هذا الثوب، أو لتحصل لي خياطة هذا الثوب؛ لأن المنفعة في ذلك كله معلومة.

.[فرع: شرط مدة الإيجار أن تكون مقدرة]

وما قدر من الإجارة بالمدة: فمن شرط المدة أن تكون معلومة الابتداء والانتهاء، فيقول: أجرني دارك هذه مدة شهر من هذا الوقت، أو من الآن، فإن قال: شهرًا أو سنة، ولم يقل من الآن، أو من هذا الوقت.. لم تصح.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (إذا أطلق.. اقتضى أن يكون أولها عقيب العقد).
دليلنا: أن المعقود عليه هو الشهر، وذلك غير معلوم، بل يجوز أن يكون هذا الشهر أو غيره، فلم تصح، كما لو قال: بعتك عبدًا.
إذا ثبت هذا: فإن من شرط المدة أن تكون متصلة بالعقد، فإن قال: أجرتك داري شهر رجب، وهو في جمادى.. لم تصح الإجارة.
وقال أبو حنيفة: (تصح).
دليلنا: أن الإجارة عقد بنفسها يتقسط العوض فيها على المعوض، فإذا عقدت على معنى ينافي الشروع في قبضها عقيب العقد.. لم تصح، كما لو باعه عبدًا آبقًا، أو مغصوبًا.
فقولنا: (يتقسط العوض فيها على المعوض) احتراز من نكاح الصغيرة، فإنه
يصح، وإن كان لا يتأتى القبض فيها عقيب العقد الأول. أو نقول: لأن عقد الإجارة معاوضة محضة، فبطل فيما لا يتأتى فيه القبض عقيب العقد، كالبيع. ولا يبطل ببيع العين الغائبة، فإن قبضها يكون في موضعها.
وإن استأجر من رجل عينًا شهر شعبان، ثم استأجرها منه شهر رمضان قبل انقضاء شعبان.. فهل تصح الإجارة في شهر رمضان؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تصح؛ لأن مدة إجارة العقد الثاني لم تتصل بوقت العقد، فلم تصح، كما لو كانت العين في إجارة غيره في شعبان، فأجرها من الثاني قبل انقضاء إجارة الأول.
والثاني: تصح، وهو المنصوص؛ لأن العين في يد المستأجر، ولا حائل بينه وبينها، فصار كما لو جمع في الإجارة بين الشهرين.

.[فرع: الإجارة المطلقة بأجرة معينة]

وإن قال: أجرتك داري كل شهر بدينار، ولم يبين عدد الشهور.. لم تصح الإجارة.
ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر: أنه تصح في الشهر الأول بدينار، وتبطل فيما زاد عليه، وهو قول أبي حنيفة، واختيار أبي سعيد الإصطخري، إلا أن أبا حنيفة قال: (لكل واحد منهما أن يفسخ الإجارة عند انقضاء الشهر، فإذا لم يفعلا حتى مضى يوم من الشهر الثاني.. فليس لواحد منهما أن يفسخ).
وقال مالك: (الإجارة صحيحة، وكلما مضى شهر.. استحق دينارًا، إلا أنها غير لازمة).
دليلنا: أن قوله: (كل شهر) لا نهاية له، وإذا كانت مدة الإجارة مجهولة.. لم تصح، كما لو قال: أجرتك زمانًا، ولأن الشهر الأول وإن كان معلومًا، إلا أنه أضيف إلى مجهول، والمعلوم إذا أضيف إلى مجهول.. صار الجميع مجهولًا، فصار كما لو قال: أجرتك داري هذه ودار أخرى بمائة.
وإن قال: أجرتك داري هذه سنة من هذا الوقت، فإن قال: سنة عددية، أو سنة بالأيام.. كانت الإجارة ثلاثمائة وستين يومًا، وإن قال: سنة هلالية.. كانت الإجارة اثني عشر شهرًا، تمت الشهور أو نقصت.
فإن عقد الإجارة في آخر جزء من الشهر.. اعتبر جميع شهور السنة بالأهلة، وإن عقد الإجارة بعد أن مضى جزء من الشهر، أو بقي منه جزء بعد العقد.. اعتبر ما بقي من هذا الشهر، وعد بعده أحد عشر شهرا بالأهلة، وتمم الشهر الأول بالعدد بعد الأحد عشر.
فإن قال: أجرتك سنة وأطلق، ولم يقل: عددية ولا هلالية.. انصرف ذلك إلى الهلالية؛ لأنها هي السنة المعهودة في الشرع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 189].
وإن أجره سنة شمسية، أو رومية، أو فارسية.. فذكر الشيخ أبو حامد، والمحاملي، وابن الصباغ: أن الإجارة لا تصح؛ لأن هذه السنة تزيد على السنة الهلالية، وتلك الزيادة غير معلومة، بل تختلف، فإنها سنة تكون: ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا وربع يوم، وسنة تكون: ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا ونصف يوم، وسنة تكون: ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا وثلاثة أرباع يوم، إلا أن تكون هذه الزيادة معلومة عند المتعاقدين، فتصح الإجارة. فإن جهلا ذلك أو أحدهما.. لم تصح.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فقال: إذا أجره سنة شمسية.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا تصح؛ لأنه على حساب النسيء فيه أيام، والنسيء حرام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37]. وأراد بقوله: (النسيء) ما ذكروه من التقدم والتأخر لأجل الزيادة والنقصان في السنة؛ لأن النسيء المذكور في الآية: أن العرب كانت تؤخر تحريم المحرم إلى صفر.
والثاني: تصح؛ لأن مدة الإجارة معلومة، فهو كالنيروز، والمهرجان.

.[فرع: شرط بيان جنس الانتفاع بالمؤجر]

إذا قال: أكريتك هذه الأرض، وأطلق، ولم يبين جنس الانتفاع بها.. لم يصح؛ لأن الأرض تكرى للزرع، وللغراس، وللبناء، فإذا لم يبين واحدًا منها.. لم يصح، وإن قال: أكريتكها لتزرع فيها زرع كذا.. صح، وإن قال: أجرتكها لتزرعها ما شئت، أو لتزرعها أضر الزرع.. صحت الإجارة؛ لأن أي زرع زرعه.. فهو مأذون له فيه، وإن قال: لتزرعها، وأطلق.. ففيه وجهان:
الأول: قال أبو العباس: لا يصح؛ لأن الزروع يختلف ضررها في الأرض.
والثاني - وهو المذهب -: أنه يصح؛ لأن الإطلاق يعم الزروع، وقد ثبت أنه لو قال: لتزرعها ما شئت، أو لتزرعها أضر الزروع.. صح، فإذا أطلق.. حمل على العموم.
وإن أراد أن يغرسها أو يبني فيها.. لم يكن له ذلك؛ لأن ضررهما أكثر من ضرر الزرع.

.[فرع: أجرة الأرض للغراس]

فإن قال: أجرتك هذه الأرض لتغرسها الغرس الفلاني.. صح، وإن قال: لتغرسها ما شئت، أو لتغرسها أضر الغروس.. صح، وإن قال: لتغرسها، وأطلق.. ففيه وجهان، كالزرع، الأصح: أنه يجوز.

.[فرع: استأجر أرضًا للغراس فزرعها]

وإذا استأجر أرضًا للغراس.. فله أن يزرع فيها؛ لأن ضرر الزرع أقل من ضرر الغراس.

.[فرع: أجره ليزرع وليغرس ولم يبين]:

إذا قال: أكريتك هذه الأرض، فازرعها أو اغرسها، أو قال: فازرعها أو اغرسها ما شئت.. قال الشافعي: (فالكراء جائز). وقال المزني: الأشبه - بقوله -:
لا يجوز؛ لأنه عقد على زرع وغرس ولم يبين قدر كل واحد منهما، فكان مجهولًا.
واختلف أصحابنا في تأويلها:
فقال أبو العباس، وأبو إسحاق: ليس تأويلها ما ذكره المزني، وإنما تأويلها: أنه اكتراها ليغرسها كلها إن شاء، أو ليزرعها كلها إن شاء؛ لأنه إذا اكتراها للغراس.. فقد استفاد به الزرع؛ لأنه أقل ضررًا، فإذا ذكره كان تأكيدًا. فأما إذا أراد زرع بعضها وغرس بعضها.. لم يصح؛ لما ذكره المزني.
وقال أبو الطيب بن سلمة: بل الإجارة صحيحة؛ لأنه إذا استأجر على أن يزرع ويغرس.. فقد استأجرها للأمرين معًا، فكذلك إذا استأجرها على أن يزرع أو يغرس.. صح، ويكون له زرع نصفها وغرس نصفها؛ لأن الإضافة تقتضي التسوية، كما لو قال: هذه الدار لزيد وعمرو.
والأول أصح؛ لأن الشافعي قد قال في "الأم": (إذا قال: أجرتك هذه الأرض لتغرس بعضها، وتزرع بعضها.. لم يصح).

.[مسألة: إكراء البهائم]

قال الشافعي: (وإكراء الإبل جائز).
وجملة ذلك: أن إكراء الإبل والخيل والبغال والحمير والبقر جائز؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8]. ولم يفرق بين المملوك والمكترى، وقَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198].
قال ابن عباس: (أراد بذلك: ليس عليكم جناح أن تحجوا وتكروا جمالكم).
وهذا إجماع لا خلاف فيه.
إذا ثبت هذا: فإن البهائم تكرى، لا سيما للركوب والحمل عليها والعمل،
فإن أراد أن يكتري بهيمة للركوب.. جاز أن يكتري بهيمة معينة، وجاز أن يكتري بهيمة موصوفة في الذمة. (فالمعينة): أن يقول: أكرني هذا الجمل، أو هذا الفرس. و(الموصوفة): أن يقول: أكرني جملًا، أو دابة، أو بغلًا، أو حمارًا، ويذكر النوع والذكورية، والأنوثية؛ لأن الغرض يختلف بذلك؛ لأن الأنثى أسهل في الركوب من الذكر. هكذا ذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: إذا كان في الجنس الواحد نوعان مختلفان في السير.. فهل يجب ذكر بيانه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب ذكره؛ لأن سيرهما يتفاوت.
والثاني: لا يجب؛ لأن التفاوت يقل.
ولا بد أن يكون الراكب معلومًا، ولا يكون معلومًا إلا بالمشاهدة.
وقال أصحاب مالك: يجوز الإطلاق في ذلك؛ لأن أجسام الناس متقاربة في الغالب. وهذا غير صحيح؛ لأن الناس مختلفون في الطول والثقل، ويتفاوتون تفاوتًا لا يمكن ضبطه بالوصف.
وأما ما يوطأ به المركوب: فإن أطلق ذلك، ولم يذكره.. وجب له أن يوطأ بما جرت العادة أن يوطأ بمثله، فإن كان المركوب فرسًا.. وطأه بالسرج واللجام، وإن كان بغلًا أو حمارًا.. وطأه بالإكاف والبرذعة، وإن كان جملًا.. وطأه بالقتب والزاملة.
وإن ذكر محملًا أو كنيسة.. كان له أن يركب به، ولا بد أن يكون المحمل معلومًا، ويصير معلومًا بالمشاهدة، وهل يصير معلومًا بالوصف؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها الشيخ أبو إسحاق:
أحدها: يصير معلومًا بالوصف، كما قلنا في السرج والقتب.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أن محامل بغداد وخوارزم وكنائسهم تصير معلومة بالوصف؛ لأنها خفيفة لا تختلف في العادة، وأما محامل خراسان وكنائسها: فلا تصير معلومة بالوصف؛ لأنها ثقال تختلف في العادة.
والثالث - وهو الصحيح -: أنها لا تضبط بالوصف؛ لأنها تختلف اختلافًا متباينًا، ولم يذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ الوجه الأول.
وقال ابن الصباغ: ولا بد أن يقول: يكون المحمل مغطى أو مكشوفًا؛ لأن الغرض يختلف فيه، ولا عرف فيه، فإذا ذكر: أنه مغطى.. فهل يصح أن يطلق الغطاء؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري، المشهور: أنه يصح؛ لأن ما يغطى به لا يختلف اختلافًا متباينًا، فيغطيه بلبد، أو نطع، أو خرقٍ. فإن شرط شيئًا.. تعين ما شرط، وله أن يغطي بمثله وأخف منه.
وهل يشترط بيان ما يوطأ به فوق المحمل؟ فيه وجهان، وأصحهما: أنه لا يجب، ويحمل على ما جرت به العادة.

.[فرع: يذكر المكاري ما يصطحبه المسافر من حاجات وأمتعة]

وأما المعاليق التي يحتاج إليها في السفر، مثل: القدر والدلو والحبل والقربة والركوة، فإن ذكرها المكتري وكانت معلومة، إما بالمشاهدة، أو بالوصف.. صح، وإن أطلق، وقال: وتحمل المعاليق.. فهل يصح؟
قال الشافعي: (الكراء فاسد). قال: (ومن الناس من قال: هو جائز استحسانًا، ويحمل على العرف). واختلف أصحابنا فيها:
فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه مختلف، فلا بد من بيانه.
والثاني: يصح، ويحمل على العرف، وهو الوسط؛ لأنه لا يتفاوت، فهو كغطاء المحمل والكنيسة.
ومنهم من قال: لا يصح، قولًا واحدًا؛ لأن الشافعي لا يقول بالاستحسان.

.[فرع: ليس للراكب اصطحاب ما لا يعتاد]

قال الصيدلاني: فإذا اكترى دابة تركب بسرج ولجام.. لم يكن للمكتري أن يعلق عليه المعاليق، كالسفرة، والسطيحة، والقربة؛ لأنه خلاف العادة.

.[فرع: اشتراط المسافة أو قدر وقتها]:

وأما قدر السير ووقته: فإن شرط أن يركبها كل يوم شيئًا معلومًا، إما فرسخين، أو ثلاثة مما تقدر أن تمشي فيه مثل تلك البهيمة.. صح العقد، وحملا عليه.
قال القاضي أبو الطيب: إلا أن يكون ذلك الطريق مخوفًا، فلا يجوز تقدير السير فيه؛ لأن السير ليس إلى اختيارهما.
وإن لم يشرطا سيرًا مقدرًا في كل يوم، فإن كان لتلك الطريق منازل معروفة، وجرت العادة بالمسير فيه بزمان مخصوص من ليل أو نهارٍ.. صح العقد، وحملا على ما جرت به العادة في تلك الطريق، كما قلنا فيمن باع بدينار وأطلق، في بلدٍ فيه نقد متعارف.
وإن لم يكن لتلك الطريق منازل معروفة، ولا وقت يمشي فيه.. لم يصح العقد مع الإطلاق، كما قلنا فيمن باع بدينار وأطلق، في بلد لا نقد فيه غالب.
قال أبو إسحاق المروزي: إذا أكرى إلى مكة في زماننا.. فلا بد أن يذكر المراحل؛ لأن السير في هذا الزمان سير لا تطيقه الحمولة.

.[فرع: مكان النزول للمكتري يحمل على العرف]

وإن كان العرف في تلك الطريق النزول في بلدة، فإن اتفقا على موضع النزول في البلد.. جاز، وإن اختلفا: فقال المكتري: ننزل وسط البلد؛ لأنه أحفظ للمتاع، وقال المكري: بل ننزل في طرف البلد؛ لأنه أقرب لرعي الإبل، أو قال أحدهما: ننزل في هذا الجانب، وقال الآخر: بل ننزل في الجانب الآخر.. حمل الأمر على ما جرت به العادة في نزول القوافل في تلك البلد.

.[فرع: تعيين مكان النزول]:

قال الطبري: فإذا استأجر بهيمة ليركبها من بغداد إلى البصرة، وكان منزله في البصرة، فإن قال: إلى طرف البصرة، أو إلى منزلي فيها.. صح العقد، وحملا على ذلك، وإن أطلقا.. فهل تصح الإجارة؟ فيه وجهان. فإذا قلنا: تصح.. فهل تنتهي الإجارة إذا بلغ إلى طرف البصرة، أو لا تنتهي حتى يبلغ منزل المكتري؟ فيه وجهان.

.[مسألة: اكترى مركبة لحمولته]

فأما إذا أراد أن يكتري الحمولة للحمولة، و(الحمولة) - بضم الحاء -: الشيء الذي يحمل. و(الحمولة) - بفتح الحاء -: البهيمة التي تحمل. قال الله تعالى: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} [الأنعام: 142].
قال أهل التفسير: (الحمولة): الكبار، و(الفرش): الصغار.
إذا ثبت هذا: فإن اكترى ظهرًا للحمولة، فلا يفتقر إلى ذكر جنس الظهر، ولا إلى نوعه، بل يقول: أكرني ظهر بهيمة لتحمل لي كذا وكذا، إلى موضع كذا وكذا، فيصح؛ لأنه لا غرض في معرفة جنس الظهر ونوعه؛ لأن الغرض تحصيل حمل المتاع، فعلى أي بهيمة حمله المكري من جمل، أو بغل، أو حمارٍ.. فقد حصل المقصود، بخلاف اكتراء البهيمة للركوب؛ لأن الغرض يختلف باختلاف البهيمة، فلذلك لم يكن بد من بيان البهيمة.
وأما المتاع المحمول: فلا بد من معرفة جنسه، أنه طعام، أو حديد، أو قطن؛ لأن تعب البهيمة يختلف باختلافه وإن استوى في القدر؛ لأن الحديد وما أشبهه يقع على موضع واحدٍ من الظهر، ولا يأخذ جميع الظهر، والقطن وما أشبهه يقع على جميع الظهر، وتدخل فيه الريح، ففي كل واحدٍ منهما ثقل من وجهٍ، وخفة من وجهٍ، فلذلك وجب بيانه.
ولا بد من معرفة قدره، فإن كان المتاع مشاهدًا.. وجب عليه بيانه، وإن قال: أكرني ظهرًا على حمل هذا القطن، أو على حمل هذه الصبرة.. صح وإن لم يعرفا وزن القطن، ولا كيل الصبرة، كما قلنا في البيع. وإن لم يشاهده، ولكن وصفه بالوزن أو بالكيل.. صح؛ لأنه يصير معلومًا بذلك.
وأما الظروف التي فيها المتاع: فإن كانت معلومة بالمشاهدة.. جاز، وإن لم تكن مشاهدة، فإن كان المتاع موصوفًا بالوزن.. لم يفتقر إلى معرفة جنس الظرف؛ لأنها تكون من جملة الوزن، وإن كان المتاع معلومًا بالكيل.. فلا بد من معرفة ظرفه، إما بالمشاهدة، أو بالوصف؛ لأنه يختلف بالثقل والخفة.
قال الشافعي: (إلا أن يكون من الغرائر الجبلية، فيجوز أن يطلق؛ لأنها لا تختلف اختلافًا متباينًا، فكان تسميتها كافيًا).
قال ابن الصباغ: ويذكر المدة التي يحمل فيها، والموضع الذي يحمل إليه، كما قلنا في الركوب.
قال الطبري: وإذا استأجره ليحمل له متاعًا إلى بلد، فبلغ به طرف ذلك البلد.. فللمكري حط المتاع هناك.
وقال أبو حنيفة: (يلزمه أن يبلغ به إلى منزل المكتري في ذلك البلد).
دليلنا: أن المعقود عليه هو الحمل إلى البلد، واسم البلد يقع على طرفه.